محمد بن أحمد الفاسي
104
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وكان الناس يتخيلون لما وصل العسكر إلى مكة في سنة ستين وسبعمائة أن يحصل له أذى ، فسلمه اللّه تعالى ، لأن العسكر قدم مكة وهو مريض ، واستمر به المرض حتى توفى ، ويقال : إن السلطان حسن لما بلغه وفاته ، عجب وحمد اللّه تعالى على كونه لم يصدر منه إليه شئ ؛ لأن والدي أخبرني عن القاضي شهاب الدين أحمد بن ظهيرة ، عن القاضي عز الدين بن جماعة : أن السلطان حسن استدعاه سحرا إلى القصر ، فدخل على السلطان ، والشمع موقد بين يديه ، فقال له السلطان : أعظم اللّه أجرك في القاضي شهاب الدين الطبري قاضى مكة ، الحمد للّه سلم منا وسلمنا منه ، وسأله السلطان عمن يصلح للمنصب ؟ فقال له : الشيخ تقى الدين الحرازى - يعنى السابق ذكره - وسأل من السلطان أن يوليه ، فولاه . وشهد عليه القاضي عز الدين بالولاية ، ونزل القاضي عز الدين من عند السلطان ، وصار يخبر عن السلطان بما صدر منه في حق القاضي شهاب الدين والتقى الحرازى ، ليترك الناس السعي عليه ، فلم يتجاسر أحد على السعي على الحرازى . وكان ابن ظهيرة يرغب في ولاية نجم الدين بن القاضي شهاب الدين ؛ لأنه من خواص أبيه ، فلم يتم له قصد . وكانت مدة ولايته لقضاء مكة ثلاثين سنة وستة أشهر إلا أياما ، فإن الولاية جاءته في السابع من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاثين ، من عطيفة أمير مكة على ما ذكره الآقشهرى ، واستمر حتى مات في سابع عشرى شعبان سنة ستين وسبعمائة بمكة ، ودفن بالمعلاة . وذكر شيخنا القاضي زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي ، في تاريخ المدينة : أن القاضي شهاب الدين الطبري هذا ، جدد في حدود الخمسين وسبعمائة بئر رومة ، ظاهر المدينة النبوية ، ورفع بناءها على الأرض نحو نصف قامة ونزحها وكثر ماؤها . وذكر أن المطرى قال : إنها كانت خربت ونقضت حجارتها وأخذت ، ولم يبق لها إلا الأثر ، فدخل في عموم قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من يحفر بئر رومة فله الجنة » « 1 » . وهذا الحديث في الصحيح . انتهى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري تعليقا في كتاب المناقب ، باب مناقب عثمان بن عفان أبى عمرو القرشي رضى اللّه عنه ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من يحفر بئر رومة فله الجنة » . فحفرها عثمان وقال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان .